فخر الدين الرازي

201

تفسير الرازي

محاسبين ومجزيين فكذلك ، ثم لما بين أن الموت كائن والحشر بعده لازم ، بين ما يكون بعد الحشر ليكون ذلك باعثاً للمكلف على العمل الصالح ، وزاجراً للمتمرد عن العصيان والكذب فقال : * ( فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ ) * . هذا وجه تعلقه معنى ، وأما تعلقه لفظاً فنقول : لما قال : * ( فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها ) * ( الواقعة : 86 ، 87 ) وكان فيها أن رجوع الحياة والنفس إلى البدن ليس تحت قدرتهم ولا رجوع لهم بعد الموت إلى الدنيا صار كأنه قال : أنتم بعد الموت دائمون في دار الإقامة ومجزيون ، فالمجزى إن كان من المقربين فله الروح والريحان ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : في معنى الروح وفيه وجوه الأول : هو الرحمة قال تعالى : * ( ولا تيأسوا من روح الله ) * ( يوسف : 87 ) أي من رحمة الله الثاني : الراحة الثالث : الفرح ، وأصل الروح السعة ، ومنه الروح لسعة ما بين الرجلين دون الفحج ، وقرئ ، * ( فروح ) * بضم الراء بمعنى الرحمة . المسألة الثانية : في الكلام إضمار تقديره : فله روح أفصحت الفاء عنه لكونه فاء الجزاء لربط الجملة بالشرط فعلم كونها جزاء ، وكذلك إذا كان أمراً أو نهياً أو ماضياً ، لأن الجزاء إذا كان مستقبلاً يعلم كونه جزاء بالجزم الظاهر في السمع والخط ، وهذه الأشياء التي ذكرت لا تحتمل الجزم ، أما غير الأمر والنهي فظاهر ، وأما الأمر والنهي فلأن الجزم فيهما ليس لكونهما جزاءين فلا علامة للجزاء فيه ، فاختاروا الفاء فإنها لترتيب أمر على أمر ، والجزاء مرتب على الشرط . المسألة الثالثة : في الريحان ، وقد تقدم تفسيره في قوله تعالى : * ( ذو العصف والريحان ) * ( الرحمن : 12 ) ولكن ههنا فيه كلام ، فمنهم من قال : المراد ههنا ما هو المراد ثمة ، إما الورق وإما الزهر وإما النبات المعروف ، وعلى هذا فقد قيل : إن أرواح أهل الجنة لا تخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليهم بريحان من الجنة يشمونه ، وقيل : إن المراد ههنا غير ذلك وهو الخلود ، وقيل : هو رضاء الله تعالى عنهم فإذا قلنا : الروح هو الرحمة فالآية كقوله تعالى : * ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ) * ( التوبة : 21 ) وأما : * ( جنة نعيم ) * فقد تقدم القول فيها عند تفسير السابقين في قوله : * ( أولئك المقربون * في جنات النعيم ) * ( الواقعة : 11 ، 12 ) وذكرنا فائدة التعريف هناك وفائدة التنكير ههنا . المسألة الرابعة : ذكر في حق المقربين أموراً ثلاثة ههنا وفي قوله تعالى : * ( يبشرهم ربهم ) * ( التوبة : 21 ) وذلك لأنهم أتوا بأمور ثلاثة وهي : عقيدة حقة وكلمة طيبة وأعمال حسنة ، فالقلب واللسان والجوارح كلها كانت مرتبة برحمة الله على عقيدته ، وكل من له عقيدة حقة يرحمه الله ويرزقه الله دائماً وعلى الكلمة الطيبة وهي كلمة الشهادة ، وكل من قال : لا إله إلا الله فله رزق كريم والجنة له على أعماله الصالحة ، قال تعالى : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ) * ( التوبة : 111 ) وقال : * ( ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى ) * ( النازعات : 40 ، 41 ) فإن قيل : فعلى هذا من أتى بالعقيدة